كتبهامحمد يوسف المحمودي ، في 5 يونيو 2011 الساعة: 14:03 م
لا شك أن البعض يخلط الأمور خلطاً قد يظلم به الآخر ويتجنى عليه ويرى من كلامه غير مقصده. ويعتبر مثل هذا النهج مسلكاً مريباً وسلوكاً منفراً يشتت ولا يجمع يفرق ولا يوحد. إنه تجني على حق الآخر في قول رأيه بموضوعية وحيادية ودن نفاق أو مجاملة زائفة. هل من المفترض أن يكون الإنسان ممنوناً شاكراً لتفضلٍ دائم لا ينقطع ولا يتحول لشخصٍ فذٍ لا يخطئ أبداً ولا يجانبه الصواب فيما قال أو فعل قدر أنملة. من هذا الشخص المعصوم الذي لا يخطئ. ومن ثم فإن النقد فيه مصلحة للناقد والمنتقد لأنه يخلص في النهاية إلى تصحيح مسارات خاطئة أو تفنيد فكرة خاطئة داعبت العقول وأوغرت الصدور.
لكن النقد محفوفٌ بمخاطر تتعلق بقدرة الناقد على عدم شخصنة الأوضاع وسوقها على أساس حجج زائفة وأنصاف أخطاء لتشويه واقعٍ جميل بالكلية. فالنقد منا كبشر لا يكون نقداً موضوعياً إلا إذا جانبه الهوى الشخصي والنعرات الطبقية والدنيوية الذاتية.
ومن ثم فإن من أدبيات النقد أن يشعر الناقد بالمعاناة النفسية والألم عند نقده وليس الفرح والتشفي. ولا شك أن هناك فرق بين التعبير عن الفرح في سقوط طاغية كسقوط فرعون مثلاً أو سقوط مفسدٍ في الأرض بحجم العادلي ومن أتى به. وهذا أمر خارج عن سياق النقد فهو مما قال فيه الله تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم"، ولا شك عندي أن تأكيد الله على أن القتال بالأيدي يأتي ضمن فلسفة شاملة تشمل كل أساليب القتال التي تستخدم فيها الأيدي ومن ضمنها كلمات الاعتراض والتفنيد المكتوبة التي تعتبر اليد جزءً داخلاً فيه.
وحتى نسوق الأمر على معنى واضح لا يقبل التأويل أضيف هذه التعريفات المتواضعة التي ترسبت في ذهني إبان دراسة النقد بكافة أشكاله خلال دراستي الجامعية:
النقد الموضوعي (البناء): هو ذكر السلبيات دون التغاضي عن الإيجابيات وإغفالها أو تجاهلها بالكلية وقد يصب في النهاية لصالح من تنتقده ولترجيح كفته كما قد يصب في اتجاه مغاير.
النقد اللاموضوعي (الهدام): هو ذكر السلبيات والتهويل منها بقدرٍ يجعل القارئ للنقد لا يرى عملاً واحداً صائباً لمن يوجه ضده النقد أو ذكر الإيجابيات والتفخيم منها بقدرٍ يجعل القارئ للنقد لا يرى خطأً أو قصوراً في سلوك من يطاله النقد وهو النقد الذي يسود في ظل الأنظمة الديكتاتورية.
التخوين: هو مغامرة محسوبة لدى البعض وغير محسوبة لدى البعض الآخر في كيل الاتهامات الموثقة والمدعومة في الحالة الأولى والمفبركة والمزيفة في الحالة الثانية. أما التخوين في الحالة الثانية والذي لا يستند على واقع يؤيده أو شاهد يمكن التحري من مصداقيته فهو أشنع وأفظع من النقد ويدخل في باب الكذب والوقيعة.
الإهانة: الإهانة الشخصية لا تستند إلى قواعد منضبطة أو أطر يمكن التعويل عليها في التصنيف ومنها الحط من قدر المهان وكيل الشتائم والسباب على نحو يتفاوت ما بين قول المظلوم للظالم ربنا ينتقم منك يا مجرم، وما بين التقليل من شأن الشخص وقول الصغير اسم الكبير وهو يناديه مباشرة دون لقب جد أو أستاذ أو خلافه. هذا إلى جانب الشتائم العامية التي نسأل الله أن يحفظنا منها وأن ينجي المجتمع من قائليها ومن آثارها على الفرد والمجموع. وقد يشرعن البعض الإهانة في حالة الرد على الشاتم أو المهين بأساليب غير لائقة وهو من باب ما ورد في الحديث الشريف: "إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا يا رسول الله أو يسب الرجل والديه؟! قال بلى يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه."
بيت القصيد في هذا العرض أن على المجتمع المصري في هذه المرحلة المهمة والحرجة من تاريخه أن يقدر قيمة النقد الموضوعي البناء ويحرض عليه ولا يستثني منه أحداً فهو من حق الناس على الحكام. وكما قال الإمام مالك وهو يقف أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم: كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا المقام." فهوناً أبناء الوطن لا تفرضوا قيوداً تحت مسميات خاطئة لا تستند لمنطق يعمل ولا فضائل تسود.
محمد يوسف المحمودي